أحمد بن محمد المقري التلمساني

230

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

علم ذلك ممّا تواتر عندهم ، واللّه أعلم ، وهم يزعمون أنّ الجمعة تدور على خمس سنين ، وهذا مناف لذلك ، ولكن كثير منهم ينكر اطّراد هذا ويقول : إنها قد تكون على خلاف ذلك ، فلا أدري . ومنها أنه قال : شهدت شمس الدين بن قيّم الجوزية قيّم « 1 » الحنابلة بدمشق ، وقد سأله رجل عن قوله عليه الصلاة والسلام « من مات له ثلاثة من الولد كانوا له حجابا من النار » كيف إن أتى بعد ذلك بكبيرة ؟ فقال : موت الولد حجاب ، والكبيرة خرق لذلك الحجاب ، وإنما يكون الحجاب حجابا ما لم يخرق ، فإذا خرق فقد زال عن أن يكون حجابا ، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام « الصوم جنّة » « 2 » ما لم يخرقها ، ثم قال : وهذا الرجل أكبر أصحاب تقي الدين ابن تيمية . ومن أخبار مولاي الجدّ الدالّة على صرامته ما حكاه ابن الأزرق عنه : أنه كان يحضر مجلس السلطان أبي عنان لبثّ العلم ، وكان نقيب الشرفاء بفاس إذا دخل مجلس السلطان يقوم له السلطان وجميع من في المجلس إجلالا له ، إلّا الشيخ المقري فإنه كان لا يقوم في جملتهم ، فأحسّ النقيب من ذلك ، وشكاه إلى السلطان ، فقال له السلطان : هذا رجل وارد علينا نتركه على حاله إلى أن ينصرف ، فدخل النقيب في بعض الأيام على عادته ، فقام له السلطان على العادة وأهل المجلس ، فنظر إلى المقري ، وقال له : أيها الفقيه ، ما لك لا تقوم كما يفعل السلطان نصره اللّه وأهل مجلسه إكراما لجدي ولشرفي ؟ ومن أنت حتى لا تقوم لي ؟ فنظر إليه المقري وقال له : أمّا شرفي فمحقّق بالعلم الذي أنا أبثّه ولا يرتاب « 3 » فيه أحد ، وأمّا شرفك فمظنون ، ومن لنا بصحته منذ أزيد من سبعمائة سنة ، ولو علمنا شرفك قطعا لأقمنا هذا من هنا ، وأشار إلى السلطان أبي عنان ، وأجلسناك مجلسه ، فسكت ؛ انتهى . قال ابن الأزرق : وعلى اعتذاره ذلك بأن الشرف الآن مظنون ، فمن معنى ذلك أيضا ما يحكى عنه أنه كان يقرأ بين يدي السلطان أبي عنان المذكور صحيح مسلم بحضرة أكابر فقهاء فاس وخاصتهم ، فلمّا وصل إلى أحاديث « الأئمة من قريش » قال الناس : إن قال الشيخ « الأئمة من قريش » وأفصح بذلك استوغر قلب السلطان « 4 » ، وإن ورّى وقع في محظور « 5 » ، فجعلوا

--> ( 1 ) في أ « مقيم الحنابلة » . وقد صوبناه من ب . ( 2 ) الجنة - بضم الجيم وتشديد النون - الوقاية والحافظ . ( 3 ) لا يرتاب : لا يشك . ( 4 ) استوغر قلب السلطان : ملأه بالغضب والحقد . ( 5 ) ورّى : استعمل التورية . والمحظور : الشيء الذي يحظر منه ويمنع .